تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » قصة قصيرة: ممشى النسيم

قصة قصيرة: ممشى النسيم

صورة تعبر عن يد ممتدة إلى عروس

كان خالد في ضيق من العيش، تراكمت عليه الديون حتى أرهقته، صار متجهم الوجه، عبوساً على الدوام، وفي محاولة أخيرة لتفادي الفقر المهلك، سهّل له أحد معارفه إجراءات أخذ قرض من البنك، استثمر في هذا المال، وأرسله لشركة من الشركات تقوم بتشغيله وتنميته، ووضع آماله بالله ثم في هذه الشركة.
ثم في يومٍ من الأيام، وسط انتظارٍ من خالد وترقّب، يأتيه اتصال من الشركة ينبؤه بزيادة أرباحه، فلم يلبث أن زاد دخله أضعافاً كثيرة، أصبح في سعة من العيش، وراحة في البال، ورضا بالحال، وصار وجهه بشوشاً لا تفارق الابتسامة محياه.

في صبيحة أحد الأيام، جلس خالد بنفس مملوءة بالرضا والسعادة داخل شقته المتواضعة، على مائدة الافطار، وزوجته سارة عن يمينه، وابنه خالد عن يساره، ولم يكونا يعلمان بأمر الشركة أو الاستثمار، ففي أثناء انشغال الأفواه بمضغ لقيمات الإفطار نطق خالد بجملة لم يعتد على نطقها، ولم تعتد زوجته ولا ابنه على سماعها منه، “هل ينقصكم شيء فأحضره لكم، هل تحتاجون لشيء إضافي في المنزل أو غيره فأجلبه لكم”، حانت من سارة التفاتة إلى ابنها محمد تصحبها نظرة تعجب ودهشة، وكأنها تقول أخرجت هذه الجملة من أبيك حقاً؟، أجابت نظرة محمد وقد انفتحت أهدابها من الدهشة هي أيضاً، لأنا أشد تعجباً منك يا أمي، فأجاب خالد على هذه النظرات المتسائلة: “لا تتعجبوا فقد وفقني الله في المال الذي استثمرته، وربحت أموالاً كثيرة، وأحببت اليوم أن أفاجئكم”، فرحت سارة وتعجبت كيف أن المال يغير الطبع، ويبدل النفس من حال إلى حال، وكيف يجعل البخيل كريماً، ورأت أن الفرصة قد سنحت لها لتظفر بكل ما تريد، وتشفي غليل سنوات عجاف مرّت بها شقتها، وضاقت بسببها نفسها، فبدأت بسرد المطالب، والنساء في مثل هذه المواطن لا يمكن أن يعتريهم نسيان أو غفلة عن شيء يريدونه،
” نحتاج مجلساً جديداً فهذا الذي معنا أصبح من الزمن القدين كما تعلم، وتجديد لكماليات المنزل، ومطبخ جديد فالذي لدينا قد أصبح مهترءاً كما ترى، ونحتاج.. ونحتاج.. ونحتاج..، وكما ترغب زوجتك العزيزة بآخر إصدار من الأيفون؛ لأصبح مثل صديقاتي فهن لسن أفضل مني في شيء”.
والله وحده يعلم متى ستقف الأم عن الكلام في ذلك الوقت، رد خالد: ” اكتبي كل ما تريدين وسيأتيك ما تأملين”، ونظر إلى يساره حيث يجلس ابنه بوجهه الحسن الذي يعتليه حب الشباب، وشعره الطويل المربوط بإحكام كي لا يتفرق، وهو يتناول الخبز مع الجبن متلذّذاً به في صمت، “وأنت يا محمد أليس لديك ما تريده؟”.

تأنى محمد في الإجابة، ثم ابتلع ريقه واستجمع نفسه ونطق: “إني يا أبي قد بلغت الخامسة والعشرين، وبي قوة الشباب، وحماسة المراهقين، والقلب مفرق في كل واد، والهوى يميل إلى كل مكان، يا أبي يحتاج ابنك إلى من يحتويه، ويلم ما تفرق من قلبه، ويقضي ما تجدد من حاجته، إني أتوق إلى من جبلت على الميل إليه، والسكون إليه، فنحن في زمن لا يأمن الإنسان صباحه أو مساءه، وتدخل الفتن للمتبتل في عقر داره، إني أرجو يا أبي العزيز أن تعينني على الزواج”، جالت في خاطر الأب مشاعر متضاربة؛ تذكر أن ابنه موظف في القطاع الحكومي، وقد امتلك مركبته الخاصة، ولسانه عذب وعقله حكيم، وتوافرت فيه جميع شروط الزواج، فأنّب ضميره؛ لأنه لم يشعر بحاجة ابنه إلى هذا الأمر، شغله خوفه من الفقر، واشتغاله بتحصيل المال، فغفل عمّا يستهوي الشباب في هذا العمر، وفي المقابل امتلأ بالفخر والاعتزاز بابنه بعد صدور هذا الكلام منه فقد أصبح رجلاً، وزاد شوقه إلى لقاء حفيده فما أعزّ من الولد إلا ولد الولد، وتخيلت سارة بدورها ابنها عريساً ففرحت فرحاً شديداً، فشمرت عن ساعديها وبدأت البحث والتقصي عن فتاة تناسب ابنها .

الفتاة في هذا الزمن صندوق مغلق لا تعلم ماذا يوجد داخله إلا بعد أن تفتحه، فهن يظهرن لمن حولهن المثالية في كل شيء، في الحديث والتصرفات والأفعال والتعامل، وفي أبسط الأمور كالطعام والشراب، فالفتاة التي سيختارها محمد لا يعلم من هي وكيف هي، وإن سأل عنها لن يعرف إلا الانطباع المثالي الذي أظهرته للناس، فليس أمامه خيار سوى الأخذ بما هو ظاهر، والمقامرة بما هو خفي.

انهمكت الأم في البحث عن الفتاة المنشودة لابنها، أجرت الاتصالات ، وسألت الصديقات، وحضرت المناسبات، إلى أن ظفرت في زيارة لها لدورةٍ صيفية شرعية، بفتاة ذات دين، معروفة بتشددها وتمسكها بتعاليم دينها، وكان ظاهراً عليها، تكتسي عندما تخرج عباءة سوداء لا يظهر من جسدها قيد أنملة، حتى أسموها صديقاتها (أمة الله)، فقالت الأم في نفسها: “فتاة ديّنة تحفظ على ابني دينه وعرضه أظنها هي المنشودة”، صاحت بابنها في المساء بعد عودته من عمله،
“ألفيت لك فتاة محافظة على دينها، تحفظ لك عرضك، فاظفر بذات الدين تربت يداك”،
وفاجأ محمد أمه بالجواب، “أمي الغالية الفتاة بهذه الصفة التي ذكرتها لا أظنها تناسبني، فأنا معتدل في التمسك بتعاليم الدين، والمرأة المتشددة تتعب زوجها إن لم يكن في مستواها الديني، وقد يثنيها عمّا هي عليه، وسوف يحصل بينهما صدام في أصغر الأمور مما يولد الخلافات، ويؤدي ذلك إلى الانفصال”،
“لا بأس سنبحث لك عن أخرى تناسبك”، طرأت فجأةً على بال أمه فتاة من عائلة غنية، “ما رأيك بفلان ابنة فلان من عائلة غنية، تعينك على مؤونة العيش وتحمل عنك بعض تكاليف الزواج”،
“والدتي العزيزة إن علو الزوجة على الزوج في المال يعني رقه عندها، وليس له بدٌّ من ذلك، فالنفقة واجبة على الزوج فلو صارت إلى الزوجة ذلّ الزوج داخل منزله، وعيب عليه خارجه”،
ضجرت الأم قليلاً ” إذاً ما الصفات التي تريدها في زوجتك؟!”،
” أريد فتاة ليست بعالمة ولا جاهلة، مثقفة وليست ساذجة، قصيرة لسان، جميلة المنظر، متوسطة الطول..”، فقاطعته الأم بعد أن أتتها رسالة على هاتفها “دع عنك يا بني وجدت لك فتاة تجيد الطبخ، تُعدّ ألذ أنواع الطعام، وربما تسمن بعد الزواج بها”،
” ما أصنع بفتاة لا تجيد سوى الطبخ؟!”.
ويبدو أن محمد يئس في العثور على فتاة أحلامه من اللاتي تأتي بهن أمه، فذوقها ونظرتها في اختيار الفتيات ليس كذوقه.
في يوم العطلة طلبت سارة من خالد أن تذهب مع محمد إلى بيت أهلها، استجاب خالد للأمر وركبوا المركبة وتوجهوا إلى هناك، وأثناء سير المركبة، ظلّ محمد يفكر في طريقة للبحث عن فتاته المنشودة، وكان جالساً بجوار النافذة واضعاً كوعه على فخذه، وذقنه على كفه، وهو ينظر إلى النافذة، فرأى من خلالها ممشى النسيم، حيث يتمشى فيه العشاق والأزواج ومختلف الناس، فتخيل نفسه مع زوجته في هذا المنظر الخلّاب، وتمنى أن يأتي معها إلى هذا الممشى في يوم ما، ولكن أين هي الزوجة؟

لما وصلوا إلى بيت أهل سارة أمِّ خالد، كان في استقبالهم أخواتها الخمسة وفي مقدمتهم أمها، جلسوا يتبادلون أطراف الحديث، فأتت سارة على ذكر موضوع ابنها، وأنه يبحث عن فتاة ليتزوجها، تفاجؤوا في بداية الأمر، ولكنهم سُرّوا بذلك، فأخذوا يتشاورون حول هذا الموضوع، وبقي محمدٌ صامتاً لم ينطق بكلمة، فهذا ليس من الأمور التي يعتاد الحديث عنها في مجلس العائلة بالنسبة له، وبعد حديثٍ طويل، وأخذٍ وعطاء، لم يتوصلوا لشيء، فأشاروا عليه بأن يكلم خالته سلمى وكانت متزوجة ولم تكن حاضرةً في ذلك اليوم، وهي تعمل محاضِرةً لبنات الجامعة؛ لذلك تختلط مع شريحة كبيرة من الفتيات، وساعدت في ما سبق بعض أخوانها في إيجاد أزواج لهم، ابتسم خالد عند سماع اسمها فهي من أقرب أقربائه إليه، ويثق بها وبذوقها، تواصل معها من فوره ليزورها في بيتها فرحبت بذلك.

طرق باب بيتها، ففتحت له الباب واستقبلته في مجلسها أفضل استقبال، فجلس بقربها ضامّاً يديه وأصابعه بعضها في بعض، ولم يعلم كيف يفتح الموضوع لها، أو من أين يبدأ، وكان الخبر قد وصلها من أخواتها وفي خاطرها منذ البداية فتاة تريد أن تعرضها عليه، فبادرت هي بالكلام، وسألته عن أي نوع من الفتيات يريد، حاول أن يقرّب ويصف نوع الفتاة التي يريدها وما إن أكمل حتى قالت له: “هناك فتاة هي أخت لصديقة من صديقاتي تأتي معها في بعض مناسباتنا الخاصة، الحياء طبع متأصّل فيها، والخجل دائم عليها، بيضاء كالبدر في منتصف الشهر، معتدلة الصدر والخصر، لها شعر أشقر طويل، شديدة بياض العين وسواد الحدقة، متوسطة الطول، تحب القراءة والاطلاع، شاعرة والشعر يقال في مثلها..”، وبينما تستمر سلمى في وصفها يهيم محمد في خياله، ويصوّر الفتاة في عقله بناءً على هذا الوصف ويفكر فيها، وعدته سلمى بالحديث مع أمّه سارة وأهل الفتاة؛ لترتب موعداً للزيارة، حتى ينظر إليها ويخطبها إن أعجبته، عاد محمد إلى بيته وفكره وقلبه وعقله مشغول بها، جاء وقت النوم ذهب إلى غرفته واستلقى على فراشه، وأخذ يفكر ويحادث نفسه، ” أيمكن أن تكون حقاً بهذا الوصف أم أن خالتي بالغت قليلاً، لكنّي لم أعهد منها كذباً، والفتاة إن كانت حقاً بهذه الأوصاف ستكون فتاة أحلامي” ونظر إلى السقف وصوّر شكل الفتاة على ما وصفت له بمثالية تامة، وأخذ يتأمّل فيها حتى فُتنَ بها دون أن يراها حقيقة، وذهبت هذه الصورة المثالية معه في أثناء تناوله للطعام، وفي عمله فأنسته مشقة العمل، أصبح قلبه لا يكاد يصبر عنها، أيعشق الإنسان من خلال وصف فقط؟ أيتيم بحب فتاة لم يرها في حياته؟ لو أن أحداً أخبره بهذا الأمر لظنّ أن هذا ضرباً من المحال، ولكنّه الآن واقع في شباكه مكبل في أغلاله، وفي ليلة أخرى وهو جالس في غرفته بجسده، وعقله قد سافر إلى مكان آخر، أنشد:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلباً فارغاً فتمكنا
مرّت أمه بجانب باب الغرفة فسمعته، وكان الخبر قد وصلها من أختها سلمى، واجتمعت بزوجها خالد في غرفة النوم وناقشته في أمر الفتاة، وصادف أنه يعرف والدها، فأخبرها أن تلك الفتاة من نسب شريف، وعائلة مرموقة، ومعروف عن هذه العوائل أن تكاليف الزواج بفتاة منهم باهظة، فبالرغم من ارتفاع دخل خالد من استثماره لا يستطيع تحمل مبالغ كبيرة، فأشار إلى زوجته أن تبحث عن فتاة غيرها، فأخبرته بما رأت من حال ابنه وبماذا كان يُنشد، وقالت : “لا ضير في تحديد يوم للزيارة والخطبة ثم سننظر ماذا سنفعل بعد ذلك”.
تم تحديد يوم الخطبة ليكون في عطلة نهاية الأسبوع يوم الخميس، تبقى ثلاث أيام حتى حلول الموعد المحدد، انتظر محمد هذا اليوم بفارغ الصبر، بين قلقٍ أن لا توافق الفتاة خياله، وأملٍ بأن تكون فتاة أحلامه، ولم يبد اهتماماً لما سوى ذلك.

أتى يوم الخميس ذهب خالد وابنه محمد وزوجته سارة إلى منزل الفتاة، وكانت سلمى قد مهّدت لزيارتهم، فتم الترحيب بهم واستقبالهم في مجلس الضيوف، وكان للفتاة أخوين حاضرين هما أحمد وهو الأكبر وأسامة الأصغر منه، جلس محمد في زاوية المجلس ولم يتكلم كثيراً قضى أغلب وقته صامتاً كما هي حاله في كل مجلس، وغالب الحديث كان بين والده ووالد الفتاة، ثم عرّض والد محمد على أمر الخِطبة مخاطباً والد الفتاة: “أتيناكم وأنتم أهل الحسب والنسب والكرم، ونحن نتشرف بقربكم وتوطيد العلاقة بيننا وبينكم عن طريق خطبة ابنتك لابني”.
رحّب والد خالد بالفكرة ولم يجزم بقبول أو رفض، ثم طلب والد محمد أن ينظر ابنه إلى ابنته نظرةً شرعية، وفي أثناء ذلك في مجلس النساء التقت الأم بالفتاة وعرفت أن اسمها زهرة آخر العنقود في المنزل ولديها أخت كبرى، نظرت فيها وتفحصتها كما تتفحص هاتفها الأيفون قبل الشراء، واستأنست بها وبحيائها وجمالها، ورأت فيها أنسب عروس لابنها.

وافق أهل الفتاة على النظرة الشرعية على أن تكون المدة عشرون دقيقة، ومهدوا غرفة من غرف المنزل لهما، وسيق محمد أولاً إلى الغرفة ونبضات قلبه تتسارع مع كل خطوة يخطوها، جلس بالجانب الأيمن من الباب قرب النافذة، ثم ساق أحمد أخته زهرة بعد أن تم تزينها وتجهيزها لهذه المناسبة إلى داخل الغرفة، طرق الباب ثم فتحه وكان متقدماً على زهرة ممسكاً بيده اليمنى يدها اليسرى، ومع فتحه للباب يترقّب محمد ويزداد فضوله وتضطرب نفسه لرؤية الداخل، جلسوا في الجهة اليسرى من الباب، وبينهم وبين محمد ثلاثة أمتار، رأى محمد فتاةً في ثوبٍ رصاصيٍّ مزخرف متغطية بغطاء شفاف، فأشار إليها أحمد أن تنزع الغطاء، حملق محمد عينيه وحدق فيها مدةً طويلة، وكادت تدمع عيناه فرحاً بأن حلمه قد تحقق، ورأى أنّ الفتاة تجاوزت الجمال الذي توقعه في خياله، فاستحكم حبُّها في قلبه خيالاً وحقيقةً.
وزهرة بدورها أمعنت النظر فيه وفي شكله فأُعجبت به، وحاول محمد أن يستجمع رباطة جأشه؛ ليسألها بعض الأسئلة، فلابد له أن يبادر قبلها، فالانطباع الأول مهم، وعليه أن يكسر عادته في الصمت حتى لا يظهر بمظهر الضعيف، فسألها عن اسمها، وعن دراستها، وعن هوايتها، ومرّت الدقائق في لمح البصر، وعاد محمد مع أمه وأبيه إلى منزلهم.

تناقش أهل زهرة في صالة منزلهم حول هذا الزواج، وحول الخاطب بشكل خاص، وانقسموا إلى ثلاث أقسام، قسم معارض وقسم مؤيد وقسم محايد، فالمؤيد هم زهرة وأختها الكبرى وأمها، حيث أبدت زهرة قبولها وإعجابها بالفتى فوافقتاها على ذلك، والمعارض هم أحمد وأسامة كان لهم رأي آخر، والأب يراقبهم وكان هو المحايد، لم يبد قبولاً أو رفضاً،
قال أسامة:
“إن عائلة محمد أقل من مستوى عائلتنا، وليس لديهم الخير الكثير الذي يشفع لهم بأخذ أختنا”
أردف أسامة: “أوافقك الرأي فلن يستطيعوا عمل حفل زواج يليق بمكانة عائلتنا، وقد يسيء هذا إلى سمعتنا عند القبيلة، وأنت يا أبي ما رأيك بهم؟”،
نظر الأب في أعينهم، عين ابنته البريئة التي تتوق إلى الزواج وتنتظر منه الموافقة، وعينا أحمد وأسامة المعارضتان واللتان تملكان حججاً مقنعة، فأجَّل الفصل في هذا الأمر إلى يوم آخر،
بعد تفكير طويل جمع عائلته ليخبرهم بما توصّل إليه، واتخذ قراراً رآه وسطاً، وأخذ في الاعتبار مصالح جميع أفراد العائلة، فأبلغ الخاطب وذويه بالمهر البالغ مئة ألف ريالاً، وتكاليف الزواج التي تبلغ خمسين ألف ريالاً، وفي حال استطاعتهم تحمل هذه التكاليف فليبارك الله للعروسين، ولن يرض بأي محاولة لتخفيض هذه المبالغ حتى لا يكون الزواج دون المطلوب فيلحقه العيب من قبيلته وجماعته، وهكذا لم يكسر بخاطر ابنته وأرضى الطرف الآخر المعارض.

وصلت الأخبار المفاجأة لبيت محمد، فقال خالد لزوجته:
” ألم أقل لك ابحثي عن فتاة أخرى، من أين لنا بهذه المبالغ، سنفلس ولن يتبق لنا شيء إن وافقنا عليها”،
سمع محمد هذا الكلام من أبيه وأبدى اعتراضاً شديداً عليه
“نستطيع تدبر هذا الأمر أنا أريد زهرة ولن أتزوج غيرها”
” لن أستطيع أن أوفر لك أكثر من خمسين ألف ريالاً، وظيفتك لن تساعدك كثيراً على توفير باقي المبلغ ما الذي ستفعله؟”
“سأقترض من البنك ومن أصدقائي، وربما تأتيني بعض المعونات في يوم الزفاف، لا تقلق سنتدبر الأمر”
فعل محمد ما عزم عليه، ودخل في ديون كثيرة، وهان كل ذلك عليه من أجل وصال محبوبته.
حضر المأذون الشرعي، وحضر محمد وأبيه، ووالد سارة وإخوانها، بالإضافة إلى الشهود داخل المسجد الصغير القريب من بيت محمد، وقد فرغ من المصلين، وناقشوا شروط العقد وكان من ضمنها أن يتم الزّفاف وتسليم زهرة لمحمد بعد ثلاث أشهر من تاريخ العقد، أبدى محمد استياءه من هذا الشرط، وبيّن والد زهرة سببه؛ بأن زهرة سوف تتخرج من جامعتها بعد ثلاثة أشهر، ولا يريد للزواج أن يشغلها عن إتمام دراستها، وافق محمد على استيائه من ذلك، فتم العقد وأصبح محمد وزهرة زوجين حكماً.
بما أن المدة الفاصلة عن يوم الزفاف طويلة طلب محمد رقم زهرة التي أصبحت زوجته الآن؛ ليكلمها ويتقرّب منها، رفض أهل زهرة هذا الطلب؛ بحجة أن هذا يخالف عرفهم وتقاليدهم، فالزوجة لا تكلم زوجها إلا حين تسلم إليه في يوم الزفاف، فضلاً عن أن تقابله، لم يُسلم محمد لهذا القرار وأعترض عليه بنبرة غاضبة، فقد تنازل على الشرط الذي شرطوه، ولن يتنازل عن هذا الطلب، وألحَّ إلحاحاً شديداً حتى يأخذ رقمها، وافق والد زهرة بعد أن رأى هذا الإصرار، وليقطع دابر الخلاف في مثل هذا الوقت، ومع ذلك اشترط أن يقتصر التواصل على الرسائل فقط.

تتالت الرسائل بين زهرة وخالد، في كل صباح ومساء، ونفسهم في كل مرة تتوق إلى أكثر من مجرد رسائل، فهذه المرحلة من الزواج تُعدُّ ذروة الحب بين الزوجين، وسرعان ما مال إصبع محمد إلى زر الاتصال، تلقته زهرة وهي جالسة في صالة المنزل بين إخوتها، فانطلقت مسرعةً إلى غرفتها وأقفلت الباب وراءها وأجابت على الهاتف.
“كيف حالكِ اليوم”
صمتت زهرة قليلاً؛ لتلتقط أنفاسها
“بخير تفاجأت باتصالك “
“لابد منه فالحب لا تكفيه مجرّد رسائل”
” ألم يشترط عليك والدي عدم الاتصال؟”
” فلم أجبتِ على الهاتف إذاً”
“لا أدري”
“ربما هو نفس السبب الذي دفعني إلى الاتصال”
“ربما”
“كيف تحبين أن يكون أثاث منزلنا”
“على ما تراه مناسباً”
“سأحضر الأثاث من أفضل الشركات في السوق ستنبهرين عندما ترينه”
واستمرت المكالمة ساعتين، وفي يوم آخر بادرت زهرة بالاتصال هذه المرة،
“لم أر اتصالكَ اليوم!”
“سبقتني أنت”
“ما رأيكَ أن…”
“رأيي في ماذا؟”
ترددت زهرة قليلاً ثم تراجعت عمّا كانت تريد قوله، وقالت: “الأجواء جميلة هذه الأيام”
“لا تغيري الموضوع رأيي في ماذا؟”
” نحن الآن زوجان والأجواء جميلة”
“أتقصدين أن نلتقي؟.. لكم أود ذلك ولكن هل سيوافق أهلك؟ لا أظن ذلك”
“بالتأكيد، هم لم يوافقوا على الاتصال فهل تظنهم سيوافقون على خروجنا؟ الأفضل أن ننسى هذه الفكرة”
“اسمعي…”
“ماذا؟”
“آتي لأخذك خلسة من دون أن يعلم أحد أخبري أهلك بأي عذر لتخرجي”
“يا لك من مشاكس”
“أيناسبك يوم السبت”
“لم أقرر أنني سأذهب”
“ولم التردد وأنتِ من أقترح، سآتيك يوم السبت”
“لدي اختبار في ذلك اليوم”
” ماذا عن الأحد؟”
“لا أظنّها فكرةً صائبةً يا محمد”
” نحن زوجان الآن من سيلومنا؟ آتيك في يوم الأحد وأخطفك كما يخطف الفارس محبوبته”
“دعني أفكر في الأمر”
لم يلبث محمد طويلاً حتى أقنعها بالخروج، ظلّت زهرة تفكر بالعذر الذي ستخبره لأهلها؛ ليسمحوا لها بالخروج في ذلك اليوم، قررت إخبارهم أن إحدى زميلاتها ستقيم حفلاً بمناسبة قُربِ تخرجهم من الجامعة، أقتنع والداها بالعذر وسمحوا لها بالخروج، وحددت لفارسها موعد قدومه في يوم الأحد في الساعة العاشرة مساءً، حيث لا يتواجد إخوتها في المنزل في هذا الوقت، ووالدها لاهٍ مع والدتها في غرفتهما.

جاء الفارس متكشخاً في سيارته السوداء، ووقف خلف المنزل واتصل بها وهمس لها بأن تنزل، أتته في كامل زينتها، وصل صوت وقع أقدام الكعب الطويل قبل وصولها، خرج وفتح لها الباب واضعاً ذراعه اليمنى خلف ظهره مادّاً ذراعه اليسرى، “تفضلي يا عروسة أحلامي”، صعدت وخدّاها محمرّان حمرةً لا تفارقهما، ولم يهتم محمد أهما احمرار خجل أم مساحيق تجميل، ولم سيهتم ما دام الجمال قابعاً بجانبه وتحت تصرفه، ذهب بها إلى قهوة (ستار بكس)، ركن السيارة ثم خرج مسرعاً ليفتح لها الباب فمدَّ يده لها؛ ليساعدها على النزول ، دخلا القهوة واختارا مجلساً علوياً في منأى عن الناس، جلسا في طاولة زوجية مقابل بعضهما، جاء النادل ليأخذ منهما الطلب، اختارت زهرة (قهوة تركية)، وفضّل محمد (الموكا) مع بعض (الدونات) لكليهما، وفي أثناء حديثهما المعسول سرق محمد قبلةً من خدها الأحمر، أحسّت بخجل شديد تلاه صمت طويل حتى جاء النادل بطلبهما، مما أعطى لهما الفرصة للخروج من هذا الصمت، وبفراغهما من الشرب اقترح محمد أن يذهبا إلى ممشى النسيم ليتمشيا فيه، الممشى الذي طالما حَلُمَ بالمشي مع حبيبته فيه، أخذ بيدها وانطلق بها إليه، وأرادت زهرة أن تلتقط صوراً لهذه اللحظات (الرومنسية)، ففارسها قابض على يدها وهما يمشيان في وسط الممشى، وينظران إلى الزرع الأخضر عن يمينهما وشمالهما، وآلات الرياضة التي يلعب بها الصبيان، وأعين الناس تنظر إليهما على أنهما زوجان حميمان، ولكنها تذكرت أهلها وما الذي سيحل بها إن شاهدوا الصور، فما كان منها إلا أن تستمتع باللحظة التي هي فيها، فتسحب يدها من قبضته وتمسك ساعده وتضم كتفها إلى كتفه ويمشيان في سعادة غامرة.

جاء منتصف الليل وحان وقت الذهاب، ولم يرد كل واحد منهما لهذه اللحظة أن تنتهي، صعدا السيارة وتعمّد محمد أن يسلك طريقاً أطول من الطريق المعتاد، وتكون الأنوار فيه خافتة، وداخل السيارة، أمسك بالمقود بيده اليسرى ويده اليمنى كانت حرّة، فانزلقت في أثناء الحديث نحو زهرة فأخذ منها بضع لمسات، وبادلته هي بضحكات ودودة، ثم يدخل محمد في حديث مع نفسه،
“كن رجلاً وافعل ما يفعل الرجال في هذا الموقف”
” لكنها لم تُسلَّم لي بعد، وهذا يخالف ما اشترطوه أهلها”
“تبّاً لشروط العقد من سيلوم الزوج في زوجته؟!”
وكان يمشي في بطء شديد وسط طريق منعدم الأنوار، انزلقت يده مرةً ثانيةً وثالثةً، ولم تبد زهرة استنكاراً بل أظهرت استمتاعاً، فكان الرضا من الطرفين، وفي لحظة غلبة نفس محمد عليه فأوقف السيارة على جانب الطريق ولم يعودا إلى منازلهما حتى طلع الفجر.
مرت المدة المتفق عليها في العقد وصار الزفاف، ومضت ثلاث أشهر عليه، ثم بشَّر محمد والده خالد بقدوم حفيده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الوسوم: